عباس العزاوي المحامي

193

موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين

والتضييق في استنبول والأنحاء المجاورة لها ، لعلمه أنه كان بنجوة من الشرور ، ومن الاستبداد ويكرّرون أن الشريعة إذا كانت موجودة فما وجه الاعتماد على القانون الأساسي ، أو الحقوق الأساسية وما ذلك إلا من جراء التلقينات التي أشبعوا بها . فالناس بين مصدق ومكذب ، أو مثبت ومنكر . وكل ما فسرت به أن هذه الإدارة وسيلة لتدخل الأجانب . ولا غرابة ، فالعراق لم ير عناء من عهد الاستبداد إلا قليلا ، ولا أصابته تلك الشدة إلا يسيرا ، فكأنه في حلم ، أو في غفلة عما كان يجري . إلا أن التلقينات المتكررة والعديدة أدت نوعا إلى التفهم لبعض المعاني ، ولا زالت تتكاثر ، وانتشرت الفكرة ، وأعلن ما كان ينشر في الخفاء من جرائد ومجلات ، فظهرت الآراء الحرة ، وذاعت ذيوعا شاملا . وقوتها مدرسة الحقوق ببغداد والمتخرجون العراقيون من كلية الحقوق باستنبول وكلية الملكية الشاهانية . ومن المؤسف أنها فسرت عند بعض الناس في أن يكون حبل المرء على غاربه يسوغ له أن يتعاطى ما شاء من الموبقات ، وأن يرتكب المنكرات ، ويسرح ويمرح كما شاء له هواه ، فانقلبت الفائدة ، وما ذلك إلا لأن غالب الذين رأيناهم فسحوا لأنفسهم المجال في تعاطي هذه . حتى صار المفكرون ينددون بهؤلاء الذين فتحوا بابا واسعا لسوء الأحوال والأعمال الشائنة ، وعدم التقيد بواجبات الأسرة والانهماك في الملذات بحيث اتخذوها وسيلة لقضاء الوطر مستمرا . وعلى كل حال كان الشعب يرى لهذا الإعلان مكانته في التنبيه ، وأثره في التلقين . فالتناصر تولد نوعا ، وصار مشهودا بين الحكومة وبين الأقطار لفك الأغلال مما لم يعرف نظيره ، ولا علم مثيله . وتتعين درجة ذلك بالحوادث والأحوال التي سنتناول موضوعها ونقرر شكلها الواقعي بقدر الإمكان ومساعدة الوثائق .